شاهد عيان يروي تفاصيل مرعبة عن هلاك مئات الجزائريين العزلتحت أنظار الجيش.
"مَن قتل في بن طلحة؟وقائع مذبحة مرتبة": أسئلة كثيرة حولجريمة تريدها السلطات الجزائرية أن تظل بدون عقاب.
عندما تنتهي من قراءة كتابنصر الله يوس "من قتل في بن طلحة؟وقائع مذبحة مرتبة" يصيبك حزن لا يوصف وتنتابكرغبة عميقة في البكاء بدون انقطاع.
لأن التفاصيل التي يرويها الكاتب جديرة بأنتُصنف "جرائم ضد الإنسانية"
و"أبادة جماعية للجنس البشري".
ويؤلمك أكثر أنالجريمة كانت في معركة غير متكافئة بين أبرياء عزّل تُركوا لمصيرهم فقُتلوا بوحشيةوقتلة مدججين بالسلاح والحقد.
وإذا كانت مذبحة بن طلحة وصمة عار في جبين الوحوشالذين أقترفوها, فهي كذلك في جبين الجيش الجزائري وقادته بسبب تقصيرهم في حمايةالضحايا مما رفع حصيلة الدمار والموت إلى ما وصلت إليه.
يروي الكتاب الذي صدرقبل أسبوعين عن دار "لاديكوفرت" الفرنسية, بمساعدةالصحافية الجزائرية سليمة ملاّح, تفاصيل مذبحة بن طلحة التي وقعت ليلة 22\ 23 أيلول (سبتمبر) 1997 وراح ضحيتها ما لايقل عن 300 جزائري في قرية تقع على بوابة العاصمة ومحاطة بالثكناتالعسكرية.
ولمن لديهم مشاكل في ذاكرتهم, هذا تذكير مختصر بالجريمة: ليلة الأثنين 22 أيلول (سبتمبر) إلى الثلاثاء 23 منه, هجم مسلحون مجهولون قارب ععدهم مئتين على "حي الجيلالي" على قرية بن طلحة قرب براقي, فقتلوا ما أستطاعوا من النساء والأطفالوالشيوخ والرجال مستعملين الفؤوس والسيوف والخناجر والرصاص.
ثم أحرقوا ونهبوا ماشاؤوا من البيوت والممتلكات وسبّوا ما استطاعوا إليه سبيلاً من النساء (30), ثمأنصرفوا في هدوء.
دامت المذبحة 6ساعات تكفي لوصول قوافل الإنقاذ من قارة أخرى, لكن أين كانت الدولة؟ أين كان الجيش؟ أين كانت المليشيات الحكومية؟ أين "الوطنيون"؟أين الحرس البلدي؟أين القوانين التي تنص على أن من حق المواطنين على الدولة أنتوفر لهم الحماية؟لم يظهر أثر أحد إلا في اليوم الموالي. وعندما جاء وزير الصحةيحي قيدوم وقف أمام جثث مشوّهة وبقايا جثث مخاطباً الناجين فقال: لقد ساعدتمالإرهابين, طيب, أدفعوا الثمن!
نصر الله يوس ليس كاتباً أو صحافياً. القدرهوالذي جعله شاهداً على تلك الليلة المشؤومة.
حظه جعله "أفضل" الخاسرين لأنه خرجمن "يوم القيامة" بكسر في الرجل ورضوض, لكن أيضاً بصدمة نفسية لن يعالجها أطباءالدنيا.
نصر الله, المدعو "نصرو" واحد من سكان الحي المنكوب. هو موظف متواضع فيقطاع البناء مثله مثل ملايين الجزائريين الذين يصارعون الحياة لدى عامة الناس. ورغمأنه مصنّف من "الواصلين" الجدد إلى القرية, تأقلم بسرعة مع المجتمع الصغير الذييرفض "الأجانب" وعايش أيام السكان البسطاء بحلوها ومرّها إلى أن وقعت الكارثة التيقلبت حياة المجتمع.
عاش الكاتب تفاصيل تلك الليلة من لحظات وصول المجرمين إلىحين انصرافهم.
وهذا ما يعطي لشهادته قيمة استثنائية تفوق كل ما قيل عن مذبحة بنطلحة إلى غاية اليوم. اضافة إلى كونها أول شهادة تصدر عن شاهد عيان رصدت عيناهوأذناه كثيراً من التفاصيل.
في رده على الأسئلة المطروحة أعلاه (وقد طرحهاالعالم بإسره غداة الجريمة عندما صدمه حجمها وبشاعتها), يحمّل المؤلف الجيش مسؤوليةكبرى في الجريمة التي بقيت بدون عقاب.
ويحدد مسؤولية الجيش فيمستويين:
المستوى الأول, وفيه افتراض أن مجموعات اسلامية هي التي ارتكبتالمذبحة. ومسؤولية الجيش والقوى الأمنية الأخرى المنضوية تحت مسؤوليته هنا أنه لميتدخل لتقديم المساعدة لأناس في حال الخطر.
وتمتزج المسؤولية هنا بين الإهمالوالتباطؤ والتقصير واحتقار المدنيين وتعنيفهم وسوء معاملتهم.
أما المستوىالثاني, وفيه أن فرقاً أو فصائل من قيادة الجيش الحكومي أو فئات منها هي التي دبّرتوارتكبت المذبحة. ويورد الكاتب عدة وقائع وقرائن تلقي ظلالاً من الشك في أنالمجرمين من الجماعات الإسلامية.
في شهادته, يقدم المؤلف سرد للأحداث يشبه قصةخيالية, لكنه يحرص على عدم الجزم بهوية مرتكبي المذبحة. غير أن ثمة نتيجة تفرضنفسها طوال السرد: مسؤولية الجيش الجزائري كبرى في المذبحة.
وقيادته مطالبة, مثلالحكومة, بالرد على كثير من الأسئلة الواضحة والمشروعة.
يورد الكاتب مجموعة منالمعطيات أحاطت بالمذبحة يقول أنها جعلته وجعلت السكان يستسيغون بصعوبة أن القتلةمن الأسلاميين, ويوجهون أصابع الإتهام نحو الجيش أو مجموعات بداخلة. هذه بعضالمعطيات وليس كلها:
قبل المذبحةـ منذ بداية الحرب الأهلية "سلمت" السلطاتالعسكرية سكان بن طلحة لمصيرهم أمام مجموعات إجرامية تعيث في الأرض فساداً, وفرقعسكرية تصب فيهم غضبها وحقدها على المجتمع. وتعمدت السلطات ان تترك القرية تتحولإلى غيتو حقيقي بلا اضاءة ليلية وبلا تليفون وبلا نقل وبلا حد ادنى مما يحفظ كرامةالناس وبلا أمل في العيش في قرية هي في الحقيقة سجن مفتوح.
ـ منذ منتصف الصيف, نظمت ورارة الدفاع انزالاً لحوالي 4000 عسكري وزعتهم في المنطقة, نسبة معتبرة منهمانزلت ب"حوش قايد قاسم" الذي يبعد عن موقع المذبحة بأقل من كيلومتر واحد.
ـ فيمنتصف شهر أيلول (سبتمبر) بدأت فرق من القوات الخاصة تجوب المنطقة وطلبت من السكانالكف عن تنظيم الحراسة الليلية. وكان السكان اتفقوا على حد أدنى من الحراسة عقبمذبحتي الرايس في 28 آب (أغسطس) وبني مسوس في 6 أيلول (سبتمبر).
ـ تماطل الجيشعدة أسابيع في منح سكان "حي الجيلالي" اسلحة للدفاع عن أنفسهم على ضوء تهديداتواشتباه في وجود خطر محدق. وكان المؤلف مشرفاً على تنظيم عملية التسليح وعلى تسييرالعلاقة بين السكان والقيادة المحلية للجيش.
يقول الكاتب في هذا السياق: "قبلأيام من المذبحة ذهبتُ برفقة جارين للقاء مسؤول المخابرات بثكنة براقي بخصوص هذهالأسلحة, فطردنا شرّ طردة قائلاً: "هياّ أغربوا عن وجهي الآن! لا أريد أنم أراكممرة أخرى".
ويوم 23 من الشهر, اليوم الموالي للمذبحة, صدر القرار بمنح الناجينأسلحة فردية. من المسؤول عن هذا التأخير وقد كان يقيناً أن قطعة سلاح واحدة كفيلةبانقاذ حياة بضعة ضحايا بتسهيل وتغطية هروبهم؟ـ إعطاء الجيش أوامر للبلديةبالشروع في حفر قبور كثيرة بمقبرة سيدي رزين الكائنة بالمدخل الشرقي لمدينة براقيقدوماً من العاصمة. وصباح المذبحة شيّع عشرات الضحايا في تلك القبور بطريقة افتقرتإلى الكثير من الإنسانية.
ويذكر الكاتب أن حارس المقبرة ابلغه بعد المذبحة أنالجيش أمر بحفر تلك القبور قبل وقوع الواقعة. منذ متى كان للجيش اهتمامبالمقابر؟.
ـ بروز حركة مكثفة لأشخاص ودوريات غربية عن قرية بن طلحة, أتضح أنهادوريات استقصاء الأرضية وجس النبض كأنها تحضر لأمر ما.
ـ حرص هؤلاء الغرباءوفيهم عسكريون على الإبقاء على الغموض حول هويتهم وأهدافهم, هم أحياناً عسكريون فيأزياء وسيارات مدنية, يتصرفون تصرفات رعناء مثل الصعاليك, وتارة"إسلاميون" في أزياءعسكرية يتصرفون مثل الفرق العسكرية النظامية. وعلى السكان أن يجتهدوا!.
ـ إصدارالفريق محمد العماري, قائد أركان الجيش أمراً مكتوباً لكل الوحدات القتالية بعدمالتحرك والخروج ليلاً من الثكنات مهما كانت الأسباب.
متى ستكذب قيادة الجيشوجود هذا الأمر المكتوب؟.
وقت المذبحةيورد المؤلف عدة معطيات احاطت بليلةالمذبحة تعمق من الشكوك في أن منفذي الجريمة ليسوا من الإسلاميين.
هذه بعضالمعطيات وليس كلها:
ـ غياب "الوطنيون" عن القرية , وهم الذين يتقاضون راتباًشهرياً للدفاع عنها.
والغياب سببه أن القائد العسكري المحلي المدعو مريزق دعاهمالى ليلة "استرخاء" بمدينة برج الكيفان, وهي مدينة ساحلية قريبة من العاصمة فيهاالكثير من أماكن اللهو والسمر. من "نصح" مريزق بتنظيم السهرة في تلك الليلة؟ـوجود دورية عسكرية من حوالي 40 جندياً جابت القرية سيراً على الأقدام قبل ساعتين منبدء المذبحة ينبعث من نظرات أفرادها حقد على السكان وكراهية لهم, وعندما اقتربت منالكاتب وبعض جيرانه وهم منهمكون في لعبة الدومينو, قال أحد أفراد الدورية (عنالسكان) "إنهم يلعبون … الكلاب", وسمع أحد السكان عسكرياً آخر يُعقب:"… انهم يجهلونماذا ينتظرهم". ماذا يعني هذا الهمس الجارح؟.
ـ وجود مروحية عسكرية ظلت تحلّقفوق مسرح الجريمة طيلة مراحل تنفيذها.
قال الكاتب أنه شاهد هذه الطائرة وسمعدوي محركاتها أكثر من مرة وأن جيرانه شاهدوها أيضاً. وقال كذلك أن مسؤوليين بالثكنةالعسكرية ببراقي أكدوا له في الغد أن المروحية تابعة حقاً للجيش الحكومي. ماسر هذهالمروحية؟.
ـ حضور عدة عربات عسكرية من نوع "بي.تي. آر" بالشارع الرئيسي للقريةعند مدخل الحي المنكوب وبقائها متوقفة هناك إلى غاية انتهاء المذبحةرغم أصواتالرصاص والقنابل وصرخات الضحايا التي خرقت السماوات.
ـ توقف سيارات إسعاف عندمدخل بن طلحة قبيل بدء المذبحة استعداداً لما بعدها. من في الأرض يستطيع إقناعالناس بأن المذبحة عفوية وغير مبرجةعلماً أن وصول سيارات الإسعاف في الظروفالعادية يتأخر بساعات طويلة ومريرة؟.
ـ منع الجيش سكان مدنيين جاءوا من قرىمجاورة لإغاثة سكان "حي الجيلالي", من الاقتراب نحو المساكن المنكوبة. ومنع الجيشبعض رجال الشرطة الذين حاولوا التدخل ـ هنا يقول الكابت أن شرطياً أغتيل ـ "ربما" ـعلى خلفية اصراره على التدخل لانقاذ الضحايا.
ويتسائل المؤلف أن اغتياله أصحابالـ"بي.تي.آر" الذين توقفوا بالشارع الرئيسي لمنع تدخله.
ـ ادعاء قادة الجيش, ومعهم الصحف الجزائرية والفرنسية, أن القتلة زرعوا الطرق المؤدية إلى مسرح الجريمةألغاماً لمنع تقدم وحدات لإنقاذ الضحايا. بينما اتضح في الصباح أن تلك أكذوبةمفضوحة, لأن فرق الإغاثة والسكان المجاورين دخلوا الحي المنكوب بعد انتهاء المذبحةدون عناء ودون أن يصادفهم لغم أرضي واحد.
ماذا يختفي وراء هذا التغليط؟ـتوقف شاحنات من نوع"ماجيروس" وهي نوعية تتوفر لدى الجيش الحكومي, قرب حقول البرتقالوراء الحي المنكوب أثناء وقوع الجريمة, وهي الجهة التي جاء, وأنصرف نحوها المجرمونبعد انتهاء المذبحة.
ثم سماع السكان الناجين دوي محركات الشاحنات لدى مغادرتهابعد انتهاء المذبحة. ما تفسير ذلك؟ـ امتناع السلطات عن إجراء أي تحقيق أمني أوقضائي, داخلي أو خارجي جاد حول ملابسات الجريمة.
واكتفائها بالترويج عبر الصحفالحكومية والخاصة, انها من فعل "الأرهابيين الإسلاميين". لماذا تخاف السلطاتالجزائرية مجرد الحديث عن تحقيق جاد.





ـ تنفيذ القتلة لجرائمهم بانضباطكبير واحترافية عسكرية وهدوء وثقة مطلقة في المحيط وفي أن الجيش لن يتدخل. كأنلديهم ضمانات من "جهة ما" بأن لا أحد يزعجهم. وفعلاً, لم يزعجهم أحد.
من أيناستمد الذبّاحون كل هذه الثقة؟.
ـ اختيار المجرمين ضحاياهم من خلال قوائم اسميةمحضرة مسبقاً. ويشدد الكاتب على أن العدد الأكبر من الضحايا (أحصى السكان 416 وقالتالحكومة98) هم الذين وصلوا إلى القرية حديثاً هاربين من مذابح مشابهة نجوا منها, أوكانوا شهوداً عليها بمناطق المدية وتابلاط (جنوب العاصمة).
سؤال الكاتب:
هلأراد منفذو مذبحة بن طلحة التخلص من شهود مزعجين؟يبقى السؤال الأكبر والأخطر. لماذا"تتورط" قيادة الجيش أو مجموعات وفئات منها ـ بشكل أو بآخر ـ في مذبحة كهذه؟لا يقدم الكاتب جواباً أو شرحاً واضحاً.
يكتفي فقط, كما ذكر أعلاه, بالوقائعوالأسئلة.
هي نفس الألغاز العالقة من حول الحكم الجزائري منذ نشأته في 1962. وهونفس الغموض الذي فرضته السلطة الجزائرية من حولها وينبع من طبيعة تركيبتها وطرقعملها, خاصة عندما يتعلق الأمر بالتصفيات الجسدية, فكم من عملية اغتيال سياسي بقيتغامضة منذ 1992:
بوضياف, مرباح, بن حمودة, حشاني, اليابس, معطوب وغيرهم. وكم منمذبحة جماعية بحق المدنيين تظل غامضة وبدون عقاب: حد الشقالة, الرايس, بني مسوس, سيدي حمّاد, سيدي كبير, الشفة وغيرها.
إن من حق الناجين وأقارب الضحايا وكلالشرفاء, بل من واجبهم العمل باستمرار على اظهار الحقيقة في هذه المذبحة الشنيعة, لتقتص العدالة, عاجلاً أم آجلاً, من مدبرها ومكنفذها مهما كانت صفتهم وعلتمراتبهم.
توفيق رباحي | القدس العربي | العدد 3566 | 27 أكتوبر 2000




_______________________



تحميل الكتاب:


حجم الكتاب بالبي دي أف 40 ميجا لأنّه مركّب من صور الصفحات بعد المسح الضوئي









تنزيل الكتاب:
http://www.algeriachannel.net/documents/manqatalfibentalha.pdf

http://ia350637.us.archive.org/3/ite...fibentalha.pdf